ابن أبي الحديد
214
شرح نهج البلاغة
أفلح من نهض بجناح ، أي مات ، شبه الميت المفارق للدنيا بطائر نهض عن الأرض بجناحه . ويحتمل أن يريد بذلك : أفلح من اعتزل هذا العالم ، وساح في الأرض منقطعا عن تكاليف الدنيا . ويحتمل أيضا أن يريد أفلح من نهض في طلب الرياسة بناصر ينصره ، وأعوان يجاهدون بين يديه ، وعلى التقادير كلها تنطبق اللفظة الثانية ، وهي قوله : " أو استسلم فأراح ( 1 ) " ، أي أراح نفسه باستسلامه . ثم قال : الإمرة على الناس وخيمة العاقبة ، ذات مشقة في العاجلة ، فهي في عاجلها كالماء الآجن يجد شاربه مشقة ، وفي آجلها كاللقمة التي تحدث عن أكلها الغصة . ويغص مفتوح حرف المضارعة ومفتوح الغين ، أصله : " غصصت " بالكسر : ويحتمل أن يكون الأمران معا للعاجلة ، لان الغصص في أول البلع ، كما أن ألم شرب الماء الآجن يحدث في أول الشرب . ويجوز ألا يكون عنى الامرة المطلقة ، بل هي ( 2 ) الامرة المخصوصة ، يعنى بيعة السقيفة . ثم أخذ في الاعتذار عن الامساك وترك المنازعة ، فقال : مجتني الثمرة قبل أن تدرك لا ينتفع بما اجتناه ، كمن زرع في غير أرضه ، ولا ينتفع بذلك الزرع ، يريد أنه ليس هذا الوقت هو الوقت الذي يسوغ لي فيه طلب الامر وأنه لم يأن بعد . ثم قال : قد حصلت بين حالين ، إن قلت ، قال الناس : حرص على الملك ، وإن لم أقل ، قالوا : جزع من الموت . قال : هيهات ، استبعادا لظنهم فيه ( 3 ) الجزع . ثم قال : " اللتيا والتي " ، أي أبعد اللتيا والتي أجزع ! أبعد أن قاسيت الأهوال الكبار والصغار ، ومنيت بكل داهية عظيمة وصغيرة فاللتيا الصغيرة والتي الكبيرة .
--> ( 1 ) ا : " واستسلم " : ( 2 ) ا : " هذه " ( 3 ) ساقطة من ا